ابن عجيبة
312
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
محذوف ، ينساق إليه الكلام ، أي : ليس الأمر مما يمكن الارتياب فيه ، بل هو آيات واضحات . و ( في صدور ) : متعلق ببينات ، أو : خبر ثان لهو . وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا الواضحة إِلَّا الظَّالِمُونَ ؛ المتوغلون في الظلم . قال ابن عطية : الظالمون والمبطلون هم كل مكذب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولكن عظم الإشارة بهما إلى قريش لأنهم الأهم . قاله مجاهد . ه . الإشارة : كم من ولىّ يكون أميا ، وتجد عنده من العلوم والحكم والتوحيد ما لا يوجد عند نحارير العلماء . ما اتخذه اللّه وليا جاهلا إلا علّمه . ولقد سمعت من شيخنا البوزيدى رضي اللّه عنه علوما وأسرارا ، ما رأيتها في كتاب ، وكان يتكلم في تفسير آيات من كتاب اللّه على طريق أهل الإشارة ، قلّ أن تجدها عند غيره ، وسمعته يقول : واللّه ما جلست بين يدي عالم قط ، ولا قرأت شيئا من العلم الظاهر . قال القشيري : قلوب الخواص من العلماء باللّه خزائن الغيب ، فيها أودع براهين حقه ، وبينات سرّه ، ودلائل توحيده ، وشواهد ربوبيته ، فقانون الحقائق في قلوبهم ، وكلّ شئ يطلب من موطنه ومحله ، فالدر يطلب من الصدف ؛ لأنه مسكنه ، كذلك المعرفة ، ووصف الحق يطلب من قلوب خواصه « 1 » ؛ لأن ذلك قانون معرفته ، ومنها ترفع نسخة توحيده . ه . ثم رد اقتراحهم للآيات ، فقال : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 50 إلى 52 ] وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 50 ) أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 51 ) قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 52 )
--> ( 1 ) إنما يرجع إلى وصف اللّه في قلوب خواصه ، لأنهم عرفوا اللّه بالرجوع إلى وحيه ، ( الكتاب والسنة ) فلا طريق لمعرفة اللّه ، إلا ما أوحاه اللّه ، ابتداء ، وانتهاء . ثم اعلم رحمك اللّه : أن معرفة القراءة والكتابة ليست شرطا في الولاية ، وحفظ كلام اللّه تعالى ، ومعرفة أسرار التوحيد والإيمان ، ، والإسلام . . وهاك مثلا واحدا : وهو سيدنا « حماد بن مسلم الدباس » ، أستاذ الشيخ القدوة ، عارف زمانه ، الإمام عبد القادر الجيلاني ، وهو حماد بن مسلم بن ددّوه ، الشيخ القدم ، علم السالكين ، أبو عبد اللّه الدباس ، الرحبي - نسبة إلى رحبة مالك بن طوق ، « نشأ ببغداد ، وكان من أولياء اللّه ، أولى الكرامات ، انتفع بصحبته خلق ، وكان يتكلم على الأحوال ، وكتبوا من كلامه نحوا من مئة جزء ، وكان أميا ، وكان يتكلم على آفات الأعمال ، والإخلاص ، والورع ، قد جاهد نفسه بأنواع المجاهدات ، وزوال أكثر المهن والصنائع ، في طلب الحلال ، وكان مكاشفا . فعنه قال : إذا أحب اللّه عبدا أكثر همه فيما فرّط ، وإذا أبغض عبدا أكثر همه فيما قسمه له . وقال : العلم محجة ، فإذا طلبته لغير اللّه ، صار حجة . . مات سنة 525 ه . وكان الشيخ عبد القادر من تلامذته : « انظر : شمس الدين الذهبي : سير أعلام النبلاء : ( 19 / 594 - 596 ) تحقيق وتعليق : شعيب الأرنؤوط ، ط 11 ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، 1417 ه ، 1996 م . وراجع أيضا في هذه القضية : الفتوحات الإلهية للشيخ المفسر / 201 - 204 .